المقريزي

298

إمتاع الأسماع

الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية ، وجب المصير إلى إثباتها ، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ، ويؤخذ بالظن ، وإنما تلقى بالسماع ، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس ، أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد . وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس : عائشة ليست عندنا بأعلم من ابن عباس ، ثم إن ابن عباس أثبت شيئا نفاه غيره ، والمثبت مقدم على النافي . قال النووي : فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء ، لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم ، إثبات هذا لا يأخذونه بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه ، ثم إن عائشة رضي الله عنها ، لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو كان معها فيه حديث لذكرته ، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات ، وسنوضح الجواب عنها . فأما احتجاج عائشة [ رضي الله عنها ] بقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) ، فجوا به ظاهر ، فإن الإدراك هو الإحاطة ، والله تعالى لا يحاط به ، وإذا ورد النص بنفي الإحاطة ، لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة ، وأجيب عن الآية بأجوبة أخرى ، لا حاجة إليها مع ما ذكرناه ، فإنه في نهاية من الحسن مع اختصاره . وأما احتجاجها بقوله تعالى : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي قدير ) ، فالجواب عنه من أوجه : أحدها : أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حالة الرؤية ، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام .